محمد أبو زهرة
1208
زهرة التفاسير
يقل قد بلغت الكبر وهو الظاهر ، ولكنه عدل هنا للإشارة إلى أن الكبر قد أصابه بضعفه وما فيه من آلام وأسقام وضعف . ويقول في ذلك الزمخشري : ( وقد بلغني الكبر كقولهم أدركته السن العالية ، والمعنى أثر فىّ الكبر فأضعفنى ) وعلى ذلك يكون قوله تعالى : بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ يتضمن بلوغ الشيخوخة ، وأنها أوجدت فيه ضعفا وعجزا ، ويكون هذا في معنى قوله تعالى في سورة مريم حكاية عن زكريا : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) [ مريم ] . وقد أجابه سبحانه وتعالى بما يزيل عجبه ، ويمنع حيرته ؛ وذلك بأن بين أن اللّه تعالى فوق السنن الكونية وفوق الأسباب في الخلق ؛ لأنه خالق الأسباب ؛ فقال تعالى : كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أي مثل ذلك الذي رأيته من أن يكون لك وأنت شيخ وامرأتك عاقر ، يفعل اللّه تعالى ما يشاء ، أي أن اللّه سبحانه يفعل بمشيئته واختياره غير مقيد بالأسباب والمسببات والعادات وأحوال الناس ؛ لأنه سبحانه وتعالى خالق الناس ، وخالق الأسباب ، وخالق مجارى العادات التي تجرى بينهم . فالإجابة لا تتضمن فقط إزالة تعجب زكريا عليه السلام بل تتضمن مع ذلك تقرير قضية عامة ، وهو أن اللّه يفعل ما يفعل باختياره وإرادته غير مقيد بأي قيد إنه سبحانه فعال لما يريد . ولما ذا كان ذلك الخارق ، وما يجئ بعده ؟ الجواب عن ذلك : أن هذا لأن بني إسرائيل كانوا لا يؤمنون إلا بالجسد ، إذ كانوا يفسرون كل شئ تفسيرا ماديا ، وقد سادت عندهم الفلسفة المادية ، وكثر بينهم القول بأن الأشياء تنشأ عن العقل الأول نشأة المسبب عن السبب أو المعلول عن علته ، فكان لا بد من صادع يقرع حسهم بحادث من هذا الصنف الذي تتخلف فيه فلسفتهم ، فيوجد المسبب من غير سبب فيدل هذا على أن المنشئ فاعله مختار يفعل ما يريد ، وهو اللطيف الخبير ؛ ولذا قال سبحانه كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ .